تذكرت هذه المقولة من وزير الهجرة والجنسية الكندي السابق الصيدلي جاري وينير عندما دعوته في إحدي احتفالات جمعية الصداقة المصرية الكندية عام 1993 لإلقاء كلمة.. فقال فيها >انتم سفراء مصر الحقيقيين في كندا لأنكم تعكسون صورة مصر للمجتمع الكندي.. لان التبادل الدبلوماسي علاقة بين الدول بعضها البعض ولكن من خلال جاليتكم نتعرف علي سلكويات وأخلاقيات وثقافة وفنون مصر.. فانتم الذين ترفعون علم بلادكم في الخارج وليس الدبلوماسييون<.
يثيرنى مثل العديد من المصريين بالخارج ما تشهده مصر من اعتصامات واحتجاجات عمالية متواصله ضد الخصخصة وسياساتها والتبعيات التى أفرزتها وأثرها السلبى على أحوال العمال المادية والمعيشية .. مما دفعنى إلى البحث عن مسببات هذه الظاهرة التى تتزايد يوما بعد يوم لمعرفة ما يدور على أرض الواقع فى مصر، وإلى من تتجه أصابع الإتهام فى هذا الملف الخطير.
ظنت الحكومة المصرية - بعد خصخصة الشركات الخاسرة - أنها ارتاحت من هموم هذه الشركات، وأنها قطعت حبل الوريد مع المشكلات العمالية فى هذه الشركات، ولكنها فوجئت بأنها تقف مكتوفة الأيدى أمام اعتصامات حاشدة من العمال، وأنه لا يوجد فى العقود التى حررتها مع المستثمرين العرب والأجانب ما يساعدها على إرغام المشترين على تقديم حلول حقيقية لهؤلاء العمال.
لقد باعت الحكومة الشركات لتتخلص من صداع مزمن، وتتحرر من قيود الإدارة، وتضع على صدرها شارة النجاح فى اختبار الانتقال إلى عصر اقتصاديات السوق، لكنها أدركت لاحقا أنها غرقت فى مشكلات عمالية خصمت من رصيدها لدى العالم، وشوهت صورتها أمام الرأى العام الداخلى، وظهرت مرتبكة وواهنة أمام هذا القطاع العريض من العمال، والسبب المباشر والواضح والصريح فى كل ذلك، هو تلك الهرولة التى تحركت بها أجهزة الدولة فى عمليات البيع، وصياغة العقود للمستثمرين العرب والأجانب.
وكان تكلفة عمليات البيع المتسرعة مفجرا للأزمات العمالية، وعقود تعجز الدولة أمامها عن اتخاذ مواقف تحفظ حقوق العمال فيما بعد، وتشير التقارير أن أصابع الإتهام توجه إلى كل من د. عاطف عبيد – رئيس الوزراء الأسبق – من جهة التلاعب فى عقود الخصخصة والحصول على سمسرة، وأيضا إلى وزير الإستثمار الحالى د. محمود محيى الدين من جهة تحمل إثم هذه الهرولة والتكلفة من الناحية السياسية.
وللأسف لم تفتح الدولة ملف العقود الخصخصة مرة أخرى لمعرفة ما شابها من تجاوزات، كما أن البرلمان لم يطرق هذا الباب بقوة، ليعرف ما السبب وراء التنازلات المهينة التى قدمها من صاغوا عقود الخصخصة للمستثمر العربى أو الأجنبى، أو ليعرف ما الضمانات التى يمكن أن تضاف إلى العقود المحتملة فى المستقبل، حتى لا تتكرر مأساة عشرات الشركات التى خرج عمالها إلى الشوارع بحثا عن حل بعد أن فشلت مفاوضاتهم مع الملاك الجدد، وفشلت الحكومة فى حل أزماتهم بسبب العقود التى تم صياغتها، وكان ورائها د. محمود محيى الدين وطاقمه خطوة بخطوة.
ويقول الصحفى خالد صلاح – رئيس تحرير صحيفة "اليوم السابع" فى مقال له بتاريخ 5 مايو 2010 أن الوزير د. محمود محيى الدين هو البطل الأساسى الحالى فى هذه الدراما المأساوية العمالية، وهو الرجل الذى ينبغى أن تطرح عليه الأسئلة فى هذا الملف، وبالطبع سيقول الوزير إن نصف عمليات البيع تمت فى عهود سابقة على توليه هذه المسؤولية، وإن لجانا مختصة تضم خبرات كبيرة، كانت مكلفة بمراجعة صياغة العقود، وهى التى تتحمل المسؤولية عن أى أخطاء قانونية، أو إهمال فى الصياغة أدى بنا إلى هذه الحالة، لكن كل هذا لا يعنى أن المسؤولية السياسية عن كل هذه الأزمات العمالية لا تقع على كاهله، ففى النهاية هو الذى يراجع ما انتهت إليه اللجان، وهو المسؤول عن إصلاح ما أفسدته قوى أخرى تولت هذه المهمة من قبل، ولابد أن نعيد مراجعة هذه العقود وأن نتعلم من أخطاء الهرولة الساذجة التى انتهت بنا إلى هذه الدراما السوداء.
وعن دور د. عاطف عبيد – رئيس الوزراء الأسبق فى هذه المأساة العمالية كتب "أكرم القصاص" فى العدد الأسبوعى لصحيفة "اليوم السابع" يوم الجمعة 7 مايو 20101 التقرير التالى: إن القضية مكتملة الأركان .. فالجريمة موجودة، والشهود قائمون، وأدوات الجريمة والأحراز متوفرة، ومع هذا لم تقدم إلى أى من الجهات للتحقيق فيها، أو تحال للمحكمة، وكل يوم أصبح اسم د. عاطف عبيد أو عهده مشتركا فى الكثير من الاتهامات التى تتردد ليس فى الإعلام والصحافة، ولكن أيضا فى البرلمان، الذى يفترض أنه المسؤول عن الرقابة والمتابعة ومحاسبة الحكومة، كما أن تصريحات الكثير من الوزراء الحاليين والسابقين توجه اتهامات لعاطف عبيد وحكومته بالتلاعب فى الخصخصة، وإهدار المال العام، فضلا عن الكذب وتقديم أرقام مضروبة، عن عوائد الخصخصة، وإعادة الهيكلة.
وقد جاءت آخر الاتهامات لدكتور عاطف عبيد وعصره من د. زكريا عزمى، رئيس ديوان رئيس الجمهورية وعضو مجلس الشعب الذى شن هجوما على برنامج الخصخصة الذى بدأت الحكومة تطبيقه منذ بداية التسعينيات، وطالب بمحاكمة البرنامج ، وإحالة المسؤولين عن فساد برنامج الخصخصة إلى النيابة العامة، خصوصا من قاموا ببيع شركتى "المعدات التليفونية" و"الزيوت والكتان"
إن كلام د. زكريا عزمى يحمل اتهامات واضحة لما أسماهم "حرامية الخصخصة" يفترض أن يحالوا للنيابة، وهو يشير فى اتهامه إلى حكومة د. عاطف عبيد، كما أنه يأتى فى سياق الحديث عن التلاعب والسمسرة التى بلغت 33 مليار جنيه، وهو ما أثار دهشة رئيس مجلس الشعب د. فتحى سرور. ود. زكريا عزمى بوصفه كان نائبا فى المجلس السابق، فهو شاهد على ما يقول إنه فساد، يفترض أن يتقدم بشهادته أو يطلب بشكل عملى التحقيق فى ملف الخصخصة، خاصة أن هذه الشهادة تزامنت مع انتقادات واتهامات من وزراء حاليين.
من جهة أخرى قال المهندس يحيى حسين عبد الهادى الذى كشف فضيحة تجاوزات صفقة عمر أفندى، إن قيادات الحزب الوطنى مؤخرا أصبحوا يتحدثون كأنهم من رجال المعارضة، وإنهم حصلوا على ضوء أخضر بالهجوم على الخصخصة، وقد صاحب عمليات بيع الشركات فى عهد د. عاطف عبيد الكثير من التلاعب والفساد، بخلاف استجوابات كثيرة وساخنة عن فساد البنوك، وتهريب الأموال للخارج، ثم بيع شركات الأسمنت للأجانب، ونشأة الاحتكارات، وقمة الإدانة لحكومة عبيد قضية سياج التى كانت نتيجتها تغريم مصر نحو 750 مليون جنيه، بعد أن حصل وجيه سياج على حكم دولى بذلك، مثبتا جريمة تمت فى عهد عبيد بحدوث بيع ما يقرب من 40 ألف متر فى طابا لرجل أعمال مزدوج الجنسية أدخل شريكا إسرائيليا، مما ترتب عليه سحب الأرض من سياج، ولجوؤه للمحكمة ليحصل على التعويض الضخم.
ومن الشهود أيضا فى قضية عاطف عبيد النائب المستقل كمال أحمد الذى عارض سياسات عبيد فى الخصخصة، ودخل مع د. عبيد فى أكثر من اشتباك، أبرزها خلال إلقاء عبيد لبيان الحكومة فى يونيو 2001 وكان عبيد يتحدث عن إنجازات حكومته ومدى نجاحها، مما دفع النائب كمال أحمد إلى مقاطعته وقال له: أنت فاشل، وأصدر د. فتحى سرور قرارا من المجلس بإخراج النائب من الجلسة، وكان عبيد كتب عددا من المقالات فى الأخبار والأهرام ينفى الاتهامات التى توجه له، وبالتالى يمكن لحكومة نظيف أن تسارع بإبراء ذمتها وتقديم ملف الخصخصة للمحاكمة وإلا ظلت متهمة.
أما النائب المستقل مصطفى بكرى فقد كان أحد الذين طالبوا بمحاكمة حكومة د. عاطف عبيد لارتكابها ما أسماه بجريمة مكتملة الأركان بوصفه الأب الحقيقى للخصخصة التى أدت إلى الإضرار بالاقتصاد الوطنى، فقد جرى بيع العديد من ممتلكات الدولة فى عهده بطرق ملتوية، أبرزها بيع بعض مصانع الأسمنت، وقال إن جريمة بيع عاطف عبيد مصنع أسمنت حلوان لرجل الأعمال وصديقه عمر الجميعى، ومنحه قرضا بمليار و2 مليون جنيه من بنك مصر لشراء مصنع أسمنت حلوان، وبعد ثلاث سنوات باع جميعى المصنع بـ 4.6 مليار جنيه. ومواجهة أخرى جمعت مصطفى بكرى مع عبيد بشأن ميناء العين السخنة وإعطاء حق إدارة الميناء للأجانب بعد أن تكلف 700 مليون جنيه، وحصول أحد الشركاء على أكثر من 120 مليون جنيه مقابل تنازله عن العقد رغم أنه لم يدفع مليما، لكن عبيد أخذ يدافع عن المشترين.
وعلى صعيد آخر قال المهندس جميل مسعد الذى أطلق عليه البعض أبو الخصخصة فى حوار لصحيفة "المصرى اليوم" فى ديسمبر 2008، إنه هو واضع سياسات الخصخصة وهيكلة الشركات. وأضاف: "كانت لدينا تعليمات من القيادة السياسية بألا يضار عامل واحد، وبالتالى كان المعاش المبكر اختياريا وبموافقة العامل والإدارة، ولكن النتيجة هى أن العمال أضيروا" .. وقال جميل: "إن الوزير السابق مختار خطاب عندما جاء ألغى جميع الخطط التى وضعتها بالتنسيق مع د. عاطف عبيد .. والفترة التى تولى فيها خطاب وزارة قطاع الأعمال سقط فيها برنامج الخصخصة، وتساءل كم شركة باعها مختار خطاب؟ وكم شركة باعها محيى الدين؟"
ومن المثير أن الوزير السابق مختار خطاب نفسه أكد هذا الكلام، وقال فى أكثر من حوار صحفى إنه كوزير لم تكن له سلطة تحديد سعر شركة أو توجيه حصيلة بيعها للاستثمار فى شركات جديدة، وأضاف أن النظام وقع فى خطأ جسيم حين رفض استخدام حصيلة الخصخصة فى إنشاء شركات جديدة، واستجابت الحكومة لضغط جماعات معينة فى الحزب الوطنى كانت تنظر للقطاع العام على أنه عدو.
وفى 10 أغسطس 2002 تحدث خطاب عن الخصخصة لمجلة "الأهرام العربى" وقال إن حصيلة ما تم بيعه 16 مليارا و905 ملايين جنيه بخلاف الأصول، وما تم تحصيله 14 مليارا و689 مليون جنيه أنفق كالتالى:
- 4.5 مليار جنيه للبنوك.
- 7.2 مليار جنيه معاشا مبكرا.
- 578 مليون جنيه إصلاحا فنيا وإداريا.
- 396 لصندوق إعادة الهيكلة.
- وتبقى7 مليارات و549 مليون جنيه تساوى رأس المال الذى دفعته الدولة فى قطاع الأعمال العام، وقد آلت لخزينة الدولة، وهو ما يعنى أن الحالة عادت إلى ما قبل البيع .. بعنا وصرفنا الحصيلة.
هذه الأرقام كان يجب أن تلفت نظر الخبراء ليسألوا أين ذهبت حصيلة الخصخصة، واعترف خطاب أن تجربة الخصخصة لم تكن لها عائدات اجتماعية أو تنموية، ولم تنجح فى توزيع ثمار التنمية بشكل عادل على الفئات الاجتماعية المختلفة. وقال خطاب: "أعترف أنه من الأخطاء الكبيرة التى ارتكبت أن عوائد الخصخصة لم يتم استثمارها فى إنشاء شركات جديدة حتى إن تم بيعها بعد إنشائها.." وقال: "أحد الآثار الجانبية لعملية الإصلاح الاقتصادى عموما عدم وجود عدالة اجتماعية".
وبنهاية مايو 2003، كانت الحكومة المصرية قد باعت 194 شركة بشكل كامل أو جزئى، وبلغ العائد نحو 16.6 مليار جنيه فقط، وأشارت تقارير عن مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، إلى الفارق الكبير بين التقديرات الإجمالية للقيمة السوقية لقطاع الأعمال العام، وبين القيمة الفعلية التى بيعت شركاته بها، بما يؤكد وقوع فساد مروع فى عملية البيع .
كل هذه الوقائع تشكل قضية واتهامات تحتاج للتحقيق، فهل تتحرك حكومة نظيف لتبرئة نفسها وتقديم د. عاطف عبيد ود. محمود محى الدين للمساءلة؟ وهل يتحرك البرلمان ويتجاوز الانتقادات ليطالب بالتحقيق فى ملف الخصخصة؟ وهل يمكن أن يكون عبيد هو قصة الأيام القادمة لتحسين صورة الحزب الوطنى وغسل يديه من سياسات كان شريكا فيها؟ خاصة أن النظريات التى استند إليها عبيد واجهت مشكلات كبيرة وبعضها عاد إلى الدولة، واتضح أن الخصخصة لم تتم فى مصر بالاتجاه نحو الرأسمالية، وإنما شابتها تلاعبات وسمسرة.
ظنت الحكومة المصرية - بعد خصخصة الشركات الخاسرة - أنها ارتاحت من هموم هذه الشركات، وأنها قطعت حبل الوريد مع المشكلات العمالية فى هذه الشركات، ولكنها فوجئت بأنها تقف مكتوفة الأيدى أمام اعتصامات حاشدة من العمال، وأنه لا يوجد فى العقود التى حررتها مع المستثمرين العرب والأجانب ما يساعدها على إرغام المشترين على تقديم حلول حقيقية لهؤلاء العمال.
لقد باعت الحكومة الشركات لتتخلص من صداع مزمن، وتتحرر من قيود الإدارة، وتضع على صدرها شارة النجاح فى اختبار الانتقال إلى عصر اقتصاديات السوق، لكنها أدركت لاحقا أنها غرقت فى مشكلات عمالية خصمت من رصيدها لدى العالم، وشوهت صورتها أمام الرأى العام الداخلى، وظهرت مرتبكة وواهنة أمام هذا القطاع العريض من العمال، والسبب المباشر والواضح والصريح فى كل ذلك، هو تلك الهرولة التى تحركت بها أجهزة الدولة فى عمليات البيع، وصياغة العقود للمستثمرين العرب والأجانب.
وكان تكلفة عمليات البيع المتسرعة مفجرا للأزمات العمالية، وعقود تعجز الدولة أمامها عن اتخاذ مواقف تحفظ حقوق العمال فيما بعد، وتشير التقارير أن أصابع الإتهام توجه إلى كل من د. عاطف عبيد – رئيس الوزراء الأسبق – من جهة التلاعب فى عقود الخصخصة والحصول على سمسرة، وأيضا إلى وزير الإستثمار الحالى د. محمود محيى الدين من جهة تحمل إثم هذه الهرولة والتكلفة من الناحية السياسية.
وللأسف لم تفتح الدولة ملف العقود الخصخصة مرة أخرى لمعرفة ما شابها من تجاوزات، كما أن البرلمان لم يطرق هذا الباب بقوة، ليعرف ما السبب وراء التنازلات المهينة التى قدمها من صاغوا عقود الخصخصة للمستثمر العربى أو الأجنبى، أو ليعرف ما الضمانات التى يمكن أن تضاف إلى العقود المحتملة فى المستقبل، حتى لا تتكرر مأساة عشرات الشركات التى خرج عمالها إلى الشوارع بحثا عن حل بعد أن فشلت مفاوضاتهم مع الملاك الجدد، وفشلت الحكومة فى حل أزماتهم بسبب العقود التى تم صياغتها، وكان ورائها د. محمود محيى الدين وطاقمه خطوة بخطوة.
ويقول الصحفى خالد صلاح – رئيس تحرير صحيفة "اليوم السابع" فى مقال له بتاريخ 5 مايو 2010 أن الوزير د. محمود محيى الدين هو البطل الأساسى الحالى فى هذه الدراما المأساوية العمالية، وهو الرجل الذى ينبغى أن تطرح عليه الأسئلة فى هذا الملف، وبالطبع سيقول الوزير إن نصف عمليات البيع تمت فى عهود سابقة على توليه هذه المسؤولية، وإن لجانا مختصة تضم خبرات كبيرة، كانت مكلفة بمراجعة صياغة العقود، وهى التى تتحمل المسؤولية عن أى أخطاء قانونية، أو إهمال فى الصياغة أدى بنا إلى هذه الحالة، لكن كل هذا لا يعنى أن المسؤولية السياسية عن كل هذه الأزمات العمالية لا تقع على كاهله، ففى النهاية هو الذى يراجع ما انتهت إليه اللجان، وهو المسؤول عن إصلاح ما أفسدته قوى أخرى تولت هذه المهمة من قبل، ولابد أن نعيد مراجعة هذه العقود وأن نتعلم من أخطاء الهرولة الساذجة التى انتهت بنا إلى هذه الدراما السوداء.
وعن دور د. عاطف عبيد – رئيس الوزراء الأسبق فى هذه المأساة العمالية كتب "أكرم القصاص" فى العدد الأسبوعى لصحيفة "اليوم السابع" يوم الجمعة 7 مايو 20101 التقرير التالى: إن القضية مكتملة الأركان .. فالجريمة موجودة، والشهود قائمون، وأدوات الجريمة والأحراز متوفرة، ومع هذا لم تقدم إلى أى من الجهات للتحقيق فيها، أو تحال للمحكمة، وكل يوم أصبح اسم د. عاطف عبيد أو عهده مشتركا فى الكثير من الاتهامات التى تتردد ليس فى الإعلام والصحافة، ولكن أيضا فى البرلمان، الذى يفترض أنه المسؤول عن الرقابة والمتابعة ومحاسبة الحكومة، كما أن تصريحات الكثير من الوزراء الحاليين والسابقين توجه اتهامات لعاطف عبيد وحكومته بالتلاعب فى الخصخصة، وإهدار المال العام، فضلا عن الكذب وتقديم أرقام مضروبة، عن عوائد الخصخصة، وإعادة الهيكلة.
وقد جاءت آخر الاتهامات لدكتور عاطف عبيد وعصره من د. زكريا عزمى، رئيس ديوان رئيس الجمهورية وعضو مجلس الشعب الذى شن هجوما على برنامج الخصخصة الذى بدأت الحكومة تطبيقه منذ بداية التسعينيات، وطالب بمحاكمة البرنامج ، وإحالة المسؤولين عن فساد برنامج الخصخصة إلى النيابة العامة، خصوصا من قاموا ببيع شركتى "المعدات التليفونية" و"الزيوت والكتان"
إن كلام د. زكريا عزمى يحمل اتهامات واضحة لما أسماهم "حرامية الخصخصة" يفترض أن يحالوا للنيابة، وهو يشير فى اتهامه إلى حكومة د. عاطف عبيد، كما أنه يأتى فى سياق الحديث عن التلاعب والسمسرة التى بلغت 33 مليار جنيه، وهو ما أثار دهشة رئيس مجلس الشعب د. فتحى سرور. ود. زكريا عزمى بوصفه كان نائبا فى المجلس السابق، فهو شاهد على ما يقول إنه فساد، يفترض أن يتقدم بشهادته أو يطلب بشكل عملى التحقيق فى ملف الخصخصة، خاصة أن هذه الشهادة تزامنت مع انتقادات واتهامات من وزراء حاليين.
من جهة أخرى قال المهندس يحيى حسين عبد الهادى الذى كشف فضيحة تجاوزات صفقة عمر أفندى، إن قيادات الحزب الوطنى مؤخرا أصبحوا يتحدثون كأنهم من رجال المعارضة، وإنهم حصلوا على ضوء أخضر بالهجوم على الخصخصة، وقد صاحب عمليات بيع الشركات فى عهد د. عاطف عبيد الكثير من التلاعب والفساد، بخلاف استجوابات كثيرة وساخنة عن فساد البنوك، وتهريب الأموال للخارج، ثم بيع شركات الأسمنت للأجانب، ونشأة الاحتكارات، وقمة الإدانة لحكومة عبيد قضية سياج التى كانت نتيجتها تغريم مصر نحو 750 مليون جنيه، بعد أن حصل وجيه سياج على حكم دولى بذلك، مثبتا جريمة تمت فى عهد عبيد بحدوث بيع ما يقرب من 40 ألف متر فى طابا لرجل أعمال مزدوج الجنسية أدخل شريكا إسرائيليا، مما ترتب عليه سحب الأرض من سياج، ولجوؤه للمحكمة ليحصل على التعويض الضخم.
ومن الشهود أيضا فى قضية عاطف عبيد النائب المستقل كمال أحمد الذى عارض سياسات عبيد فى الخصخصة، ودخل مع د. عبيد فى أكثر من اشتباك، أبرزها خلال إلقاء عبيد لبيان الحكومة فى يونيو 2001 وكان عبيد يتحدث عن إنجازات حكومته ومدى نجاحها، مما دفع النائب كمال أحمد إلى مقاطعته وقال له: أنت فاشل، وأصدر د. فتحى سرور قرارا من المجلس بإخراج النائب من الجلسة، وكان عبيد كتب عددا من المقالات فى الأخبار والأهرام ينفى الاتهامات التى توجه له، وبالتالى يمكن لحكومة نظيف أن تسارع بإبراء ذمتها وتقديم ملف الخصخصة للمحاكمة وإلا ظلت متهمة.
أما النائب المستقل مصطفى بكرى فقد كان أحد الذين طالبوا بمحاكمة حكومة د. عاطف عبيد لارتكابها ما أسماه بجريمة مكتملة الأركان بوصفه الأب الحقيقى للخصخصة التى أدت إلى الإضرار بالاقتصاد الوطنى، فقد جرى بيع العديد من ممتلكات الدولة فى عهده بطرق ملتوية، أبرزها بيع بعض مصانع الأسمنت، وقال إن جريمة بيع عاطف عبيد مصنع أسمنت حلوان لرجل الأعمال وصديقه عمر الجميعى، ومنحه قرضا بمليار و2 مليون جنيه من بنك مصر لشراء مصنع أسمنت حلوان، وبعد ثلاث سنوات باع جميعى المصنع بـ 4.6 مليار جنيه. ومواجهة أخرى جمعت مصطفى بكرى مع عبيد بشأن ميناء العين السخنة وإعطاء حق إدارة الميناء للأجانب بعد أن تكلف 700 مليون جنيه، وحصول أحد الشركاء على أكثر من 120 مليون جنيه مقابل تنازله عن العقد رغم أنه لم يدفع مليما، لكن عبيد أخذ يدافع عن المشترين.
وعلى صعيد آخر قال المهندس جميل مسعد الذى أطلق عليه البعض أبو الخصخصة فى حوار لصحيفة "المصرى اليوم" فى ديسمبر 2008، إنه هو واضع سياسات الخصخصة وهيكلة الشركات. وأضاف: "كانت لدينا تعليمات من القيادة السياسية بألا يضار عامل واحد، وبالتالى كان المعاش المبكر اختياريا وبموافقة العامل والإدارة، ولكن النتيجة هى أن العمال أضيروا" .. وقال جميل: "إن الوزير السابق مختار خطاب عندما جاء ألغى جميع الخطط التى وضعتها بالتنسيق مع د. عاطف عبيد .. والفترة التى تولى فيها خطاب وزارة قطاع الأعمال سقط فيها برنامج الخصخصة، وتساءل كم شركة باعها مختار خطاب؟ وكم شركة باعها محيى الدين؟"
ومن المثير أن الوزير السابق مختار خطاب نفسه أكد هذا الكلام، وقال فى أكثر من حوار صحفى إنه كوزير لم تكن له سلطة تحديد سعر شركة أو توجيه حصيلة بيعها للاستثمار فى شركات جديدة، وأضاف أن النظام وقع فى خطأ جسيم حين رفض استخدام حصيلة الخصخصة فى إنشاء شركات جديدة، واستجابت الحكومة لضغط جماعات معينة فى الحزب الوطنى كانت تنظر للقطاع العام على أنه عدو.
وفى 10 أغسطس 2002 تحدث خطاب عن الخصخصة لمجلة "الأهرام العربى" وقال إن حصيلة ما تم بيعه 16 مليارا و905 ملايين جنيه بخلاف الأصول، وما تم تحصيله 14 مليارا و689 مليون جنيه أنفق كالتالى:
- 4.5 مليار جنيه للبنوك.
- 7.2 مليار جنيه معاشا مبكرا.
- 578 مليون جنيه إصلاحا فنيا وإداريا.
- 396 لصندوق إعادة الهيكلة.
- وتبقى7 مليارات و549 مليون جنيه تساوى رأس المال الذى دفعته الدولة فى قطاع الأعمال العام، وقد آلت لخزينة الدولة، وهو ما يعنى أن الحالة عادت إلى ما قبل البيع .. بعنا وصرفنا الحصيلة.
هذه الأرقام كان يجب أن تلفت نظر الخبراء ليسألوا أين ذهبت حصيلة الخصخصة، واعترف خطاب أن تجربة الخصخصة لم تكن لها عائدات اجتماعية أو تنموية، ولم تنجح فى توزيع ثمار التنمية بشكل عادل على الفئات الاجتماعية المختلفة. وقال خطاب: "أعترف أنه من الأخطاء الكبيرة التى ارتكبت أن عوائد الخصخصة لم يتم استثمارها فى إنشاء شركات جديدة حتى إن تم بيعها بعد إنشائها.." وقال: "أحد الآثار الجانبية لعملية الإصلاح الاقتصادى عموما عدم وجود عدالة اجتماعية".
وبنهاية مايو 2003، كانت الحكومة المصرية قد باعت 194 شركة بشكل كامل أو جزئى، وبلغ العائد نحو 16.6 مليار جنيه فقط، وأشارت تقارير عن مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، إلى الفارق الكبير بين التقديرات الإجمالية للقيمة السوقية لقطاع الأعمال العام، وبين القيمة الفعلية التى بيعت شركاته بها، بما يؤكد وقوع فساد مروع فى عملية البيع .
كل هذه الوقائع تشكل قضية واتهامات تحتاج للتحقيق، فهل تتحرك حكومة نظيف لتبرئة نفسها وتقديم د. عاطف عبيد ود. محمود محى الدين للمساءلة؟ وهل يتحرك البرلمان ويتجاوز الانتقادات ليطالب بالتحقيق فى ملف الخصخصة؟ وهل يمكن أن يكون عبيد هو قصة الأيام القادمة لتحسين صورة الحزب الوطنى وغسل يديه من سياسات كان شريكا فيها؟ خاصة أن النظريات التى استند إليها عبيد واجهت مشكلات كبيرة وبعضها عاد إلى الدولة، واتضح أن الخصخصة لم تتم فى مصر بالاتجاه نحو الرأسمالية، وإنما شابتها تلاعبات وسمسرة.














